
القاعدة السابعة والأربعون
إذا كان سياق الآيات في أمور خاصة، وأراد الله أن يحكم عليها، وذلك الحكم لا يختص بها، بل يشملها ويشمل غيرها، جاء الله بالحُكم العام.
وهذه القاعدة من أسرار القرآن وبدائعه، وأكبر دليل على إحكامه وانتظامه العجيب، وأمثلة هذه القاعدة كثيرة: منها: لمَّا ذكر الله المنافقين وذمَّهم، واستثنى منهم التائبين، فقال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١٤٦]، فلمَّا أراد الله أن يحكم لهم بالأجر لم يقل: وسوف يؤتيهم أجرًا عظيمًا، بل قال: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١٤٦]؛ ليشملهم وغيرَهم من كل مؤمن، ولئلَّا يُظن اختصاص الحُكم بهم.ولما قال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، إلى قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء: ١٥٠ - ١٥١]، لم يقل: وأعتدنا لهم؛ للحكمة التي ذكرناها.ومثله: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا [سورة الأنعام: ٦٤]، أي هذه الحالة التي وقع السياق لأجلها، وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ [الأنعام: ٦٤] .. الشيخ: وهذه أيضًا تقع كثيرًا في مقام الإظهار في موضع الإضمار؛ لأن الله تعالى أحيانًا يظهر في موضع الضمير ليفيد الحكم بالعموم، فالآيات التي ذكر المؤلف واضحة، قال الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، قال: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، لو قال: وسوف يؤتيهم، لتوَهَّم واهم أن هذا الأجر العظيم لهؤلاء فقط، ولكنه قال: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ، فأظهر في موضع الإضمار.وفائدته: أن الحُكم عامٌّ لهم ولغيرهم.وهناك فائدة أخرى: أن هذا الأجر ثبت من أجل الإيمان، فكل مؤمن وإن لم يسبق له نفاق فإن الله تعالى يؤتيه أجرًا عظيمًا.والمهم أن هذه القاعدة كما قال الشيخ -رحمه الله- قاعدة مهمة جدًّا، وهى أن الله تعالى يحكم بحُكمٍ عام يشمل ما سيق الكلام من أجله وما لم يُذكر، وهذا من بدائع القرآن وجمعه، وأنه من جوامع الكلم.***
القاعدة الثامنة والأربعون
متى عَلَّق الله عِلْمَه بالأمور بعد وجودها كان المراد بذلك العلم الذي يترتب عليه الجزاء.
وذلك أنه تقرر في الكتاب والسُّنَّة والإجماع أن الله بكل شيء عليم، وأن علمه محيط بالعالم العلوي والسفلي، والظواهر والبواطن، والْجَلِيَّات والْخَفِيَّات، والماضي والمستقبل، وقد علم ما العباد عاملون قبل أن يعملوا الأعمال، وقد ورد عدة آيات يُخبِر بها أنه شرع كذا أو قدَّر كذا ليعلم كذا، فوجه هذا أن هذا العلم الذي يترتب عليه الجزاء.وأما علمه بأعمال العباد وما هم عاملون قبل أن يعملوا فذلك عِلْم لا يترتب عليه الجزاء؛ لأنه إنما يجازِي على ما وُجِد من الأعمال.وعلى هذا الأصل نَزِّلْ ما يرد عليك من الآيات، كقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْب [المائدة: ٩٤]، وقوله: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة: ١٤٣]، وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ [الحديد: ٢٥]، وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت: ١١]، وقوله: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف: ١٢]، وما أشبه هذه الآيات كلها على هذا الأصل. الشيخ: نحن نعلم علم اليقين أن الله بكل شيء عليم، في المستقبل، وفي الماضي، وفي الحاضر، وهذا لا إشكال فيه، ولكن تَرِد آيات توجِب إشكالًا، مثل قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: ٣١]، أليس الله قد علم ذلك من قبل؟ طلبة: بلى. الشيخ: طيب، لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ [المائدة: ٩٤]، قبلُ ما علم؟طالب: بلى. الشيخ: نعم علم، وأمثال ذلك كثير.وهذا يوجِب الإشكال على الإنسان، فأراد الشيخ رحمه الله أن يبيِّن الجواب، فقال: إن العلم علمان: علمٌ لا يترتب عليه الجزاء، وعلمٌ يترتب عليه الجزاء؛ فعلم الله تعالى بأن هذا الشيء سيكون، هذا لا يترتب عليه الجزاء، وكيف يترتب الجزاء على من لم يُؤْمَر ولم يُنهَ؟!وأما قوله: نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: ٣١]، فهذا علم بما يكون ليجازَى عليه، وهذا واضح. وأما قول بعض أهل العلم: إلا لنعلم علمَ ظهور، فهذه العبارة على إطلاقها فيها نظر؛ لأن علم الله بالشيء قبل وقوعه علمٌ به ظاهرًا وباطنًا. لكن إن أرادوا بعلم الظهور أن تَعَلُّق علم الله تعالى بهذا الشيء قبل وقوعه للتعلق بأن الشيء سيوجد، وتعلُّق الله بوجود (...) تعلق بأنه وُجِد، يعني علم الله السابق على الوقوع علمٌ بأنه سيوجَد، وعلم الله بعد الوقوع علمٌ بأنه وُجِد، فهذا الصحيح، وهذا أيضًا فرق ثانٍ؛ في أن الله إذا عَلَّق العلم بموجود فهو عِلْمٌ بأنه وُجِد، وإذا تَعَلَّق علمه بما سيوجَد فهو علم بأنه سيوجَد، لا بأنه وُجِد؛ لأنه لو كان عنده أنه وُجِد صار على خلاف الموجود.***
القاعدة التاسعة والأربعون
إذا منع الله عباده المؤمنين شيئًا تتعلق به إرادتهم فتح لهم بابًا أنفع لهم منه، وأسهل وأولى.
وهذا من لطفه، قال تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: ٣٢]، فنهاهم عن التمني الذي ليس بنافع، وفتح لهم أبواب الفضل والإحسان، وأمرهم أن يسألوه بلسان المقال وبلسان الحال.ولما سأل موسى عليه السلام رؤية ربَّه حين سمع كلامه، ومنعه الله منها، سلّاه بما أعطاه من الخير العظيم قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الأعراف: ١٤٤]، وقوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة: ١٠٦]، وقوله: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء: ١٣٠].وفي هذا المعنى آيات كثيرة. الشيخ: وهذا أمرٌ يعرف الإنسان به لطف الله -عَزَّ وَجَلَّ- وإحسانه إلى خلقه؛ أنه إذا منعه من شيء فتح لهم أبوابًا خيرًا منه، فهنا لمَّا قال: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء: ٣٢] يعني: من العلم والمال والجاه والرئاسة، وغير ذلك.الله سبحانه وتعالى فضَّل الناس بعضهم على بعض، فلا تتمنَّ أن يكون ما أعطاه الله أخاك لك دون أخيك، ولهذا قال: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ، ولم يقل: ولا تتمنوا مثل ما فضَّل الله؛ لأن هناك لا يمكن أن يقول: ولا تتمنوا مثل ما فضل الله.إذن الإنسان يجوز أن يتمنى مثل ما فضَّل الله به بعض عباده، يجوز أن تتمنى مثل علم ابن تيمية ولّا لا؟ طلبة: نعم.الشيخ: وقالوا: إن رجلًا كان يطوف بالبيت ويقول: اللهم إني أسألك فقهًا كفقه شيخ الإسلام، ونحوًا كنحو ابن هشام، هذا جائز ولَّا لا؟ طلبة: جائز.الشيخ: لكن لو يقول: اللهم ارزقني فقه شيخ الإسلام، يعني: اجعله لي دونه؟ طالب: لا يجوز. الشيخ: هذا ما يجوز. طالب: (...). الشيخ: لا لا (...) يعنى معنى هذا (...) خَلِّه لك، مع إنه معناه: أنك تمنيت ما فضَّل الله به غيرك عليك.إذن ماذا أقول؟ اسأل الله من فضله، قل: اللهم إني أسألك أن تعطيني مثل ما أعطيت هذا الرجل.اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فهذا من ألطف القواعد كما قال الشيخ رحمه الله.كذلك أيضًا مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦]، ربما يندم الإنسان على نسخ الله تعالى بعض الأحكام أو بعض الآيات، أو يندم على تنسيته إياها، نُنْسِهَا، أي: من النسيان، كما قال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٦، ٧].إذا ندم الإنسان نقول: لا تندم يا أخي، إن الله إذا نسخ آية أو أنساها أتى بخير منها أو مثلها، وبدأ بالخيرية من قبل، قال: بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، أَوْ مِثْلِهَاإذن ويش الفائدة من النسخ، إذا كانت الآية الناسخة مثل الأولى؟ الفائدة اختبار العبد؛ أن يكون قابلًا راضيًا أو لا. وانظر إلى نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فالعمل واحد، ولَّا لا؟ والاتجاه واحد إذا بقي مشروعًا، أنت لا يهمك أن تتجه إلى المشرق أو إلى المغرب، أو للشمال والجنوب، لكن الفائدة هو امتحان الناس؛ ولهذا قال الله عَزَّ وَجَلَّ: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة: ١٤٣]، فإن بعض الناس إذا رأى النسخ -والعياذ بالله- ارتد، قال: كيف هذا؟ الشرع يُبَدَّل؟ اليوم كذا وغدًا كذا؟ ما هو صحيح.فالحاصل أني أقول: إن الله سبحانه وتعالى إذا منع العباد شيئًا فتح لهم أبوابًا كثيرة مثله أو خيرًا منه.وعلى هذا نقول: من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه.أيضًا قصة موسى عليه الصلاة والسلام، لما كلَّمه الله اشتاق إلى ربه أن يراه؛ لأن رؤية المتكلِّم ليست كسماع كلامه، صح ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: ولهذا كان الصحابة إذا خاطبهم النبي عليه الصلاة والسلام استقبلوه بوجوههم حتى يراهم، لو حدَّثك أحد (...) تستمع لقوله، لكن ليس كما إذا رأيته، أنت الآن تسمع في المسجّل كلام الرجل بنفسه، لكن ليس هو كحضورك عنده وهو يعطي الكلام، بينهما فرق عظيم، فهو عليه الصلاة والسلام لما سمع كلام الله تاق إلى رؤية عز وجل، فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣]، قال الله تعالى: لَنْ تَرَانِي [الأعراف: ١٤٣]، مستحيل هذا؛ لأن نقص الإنسان في الدنيا لا يمكن أن يتحمل رؤية الله عَزَّ وَجَلَّ. ثم ضرب الله له مثلًا، وقال: انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف: ١٤٣]، فتجلَّى الله عَزَّ وَجَلَّ للجبل فاندك الجبل، جبل أصم حجر صلب، لما تجلَّى الله له جعله دكًّا، اندكَّ الجبل وصار ترابًا.لما رأى موسى هذا الأمر خرَّ صعقًا، فلما أفاق قال: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٤٣]، فما سألتك الرؤية عن شكٍّ، ولكن عن شوق.ثم قال الله له: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ، ولا تطلب ما لم تُؤْتَ، خُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الأعراف: ١٤٤]، هنا عُوِّض عن الرؤية وسُلِّي عن الرؤية بماذا؟ بقوله: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي، وهكذا قوله تعالى: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ [النساء: ١٠٤]، يعني: لا تَهِنُوا وتضعفوا في طلب الكفار، والله إحنا نتعب، تتألم أجسامنا بالجراح والقتل، وغير ذلك؛ لأن هذا الذي يصيبكم يصيبهم ولَّا لا؟طلبة: يصيبهم.الشيخ: قطعًا يصيبهم، هم مثلكم بشر، لكن الفارق: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ [النساء: ١٠٤]، وهذا لا شك أنه يُسَلِّي المرء، ويوجِب له النشاط في تغيير الأمر.***
القاعدة الخمسون
آيات الرسول هي التي يُبْدِيها الباري ويَبْتَدِيها، وأما ما أبداه المكذِّبون له واقترحوه فليست آيات، وإنما هي تَعَنُّتَات وتعجيزات.
وبهذا يُعرف الفرق بينها وبين الآيات؛ وهي البراهين والأدلة على صدق الرسول وغيره من الرسل، وعلى صدق كل خبر أَخْبَر الله به، وأنها الأدلة والبراهين التي يلزم مِن فَهْمِهَا على وجهها صدق ما دلت عليه ويقينه، وبهذا المعنى «مَا أَرْسَلَ اللهُ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا أَعْطَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ آمَنَ الْبَشَرُ» . وأما ما آتَى اللهُ محمدًا صلى الله عليه وسلم من الآيات فهي لا تُحَدُّ ولا تُعَدُّ، من كثرتها وقوتها ووضوحها، ولله الحمد، فلم يبق لأحد من الناس بعدها عذر. فعُلم بذلك أن اقتراح المكذِّبين لآيات يُعَيِّنُونها ليست من هذا القبيل، وإنما مقصودهم بهذا أنهم وَطَّنوا أنفسهم على دينهم الباطل، وعدم اتِّباع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دعاهم إلى الإيمان وأراهم شواهد الآيات، أرادوا أن يُبَرِّرُوا ما هم عليه عند الأغمار والسفهاء، بقولهم: ائتنا بالآية الفلانية والآية الفلانية إن كنت صادقًا، وإن لم تَأْتِ بذلك فلا نُصَدِّقك، فهذه طريقة لا يرتضيها أيُّ منصف.ولهذا يخبر تعالى أنه لو أجابهم إلى ما طَلَبُوا لم يؤمنوا؛ لأنهم وطَّنوا أنفسهم على الرضا بدينهم، وعرفوا الحق ورفضوه، وأيضًا فهذا من جهلهم في الحال والمآل. أما الحال: فإن هذه الآيات التي تُقتَرح وتُعَيَّن جرت العادة أن المقترِحين لها لم يكن قصدهم الحق، فإذا جاءت ولم يؤمنوا عُوجِلُوا بالعقوبة الحاضرة.وأما المآل: فإنهم جَزَمُوا جزمًا لا تردُّد فيه أنها إذا جاءت آمنوا وصدَّقوا، وهذا قلب للحقائق، وإخبارٌ بغير الذي في قلوبهم، فلو جاءتهم لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله تعالى.وهذا النوع ذكره الله في كتابه عن المكذِّبين في آيات كثيرة جدًّا، كقولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا [الإسراء: ٩٠] الآيات، وقوله: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا [الأنعام: ١١١].الشيخ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]، ويش بعدها؟طالب: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ.الشيخ: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: ٩٤]. إلى آخره.فبيَّن الله عَزَّ وَجَلَّ أنهم لن يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية، إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [يونس: ٩٦، ٩٧].وبهذا نعرف مراد المؤلف في كتابه في أول القاعدة حيث قال: (إن آيات الرسل هي التي يبديها الباري ويبتديها، وأما ما أبداه المكذِّبون واقترحوه فليست بآية). مراده: أن عدم وجودها لا يدل على عدم آية الأنبياء، هذا المعنى، وإلا لو اقترحوا آية وجاء بها الرسول لقلنا: إنها آية، لكن مراده أن الآيات التي اقترحوا بها إذا لم تأتِ لا تدل على أن الرسول ليس بحق، خدتوا بالكم من الفرق؟ أما لو اقترحوا آية وجاء بها آية فإنها لا شك أنها آية. فكلام المؤلف -رحمه الله- يريد به الأمر المخالِف، فالآيات التي جاءت بها الرسل ابتداء واضحة أنها آية، والآيات التي اقْتُرِحَت عليهم تَخلُّفها لا يعني أنهم غير صادقين، لكن إذا وُجِدَت فهي دليل على صدقهم أيضًا.طالب: الأغمار؟الشيخ: الأغمار جمع غَمْر، وهو السفيه.طالب: يا شيخ، إيش الآيات التي تخلَّفوا عنها التي اقتُرحت عليهم ولم يأتوا بها؟الشيخ: الآيات التي اقترحوها، اقترحوا مثلًا قوم صالح على صالح آية، فجاء بالناقة، واقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم آية فأراهم انشقاق القمر، وهذا كثير. الطالب: أقصد يا شيخ اللي اقترحوه ولم يأت به الرسول يعني.الشيخ: (...) تقصد أتاهم.الطالب: لا، أنا أقصد يعني هل الشيخ قصده: لو أنه فرض أنهم اقترحوا عليه آية ولم يأتِ بها. الشيخ: إي، فلا يقال: إن هذا يدل على عدم رسالته.الطالب: فهل وُجِد مثل هذا يعني؟الشيخ: إي، كل الآيات التي (...)، لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا [الإسراء: ٩٠]، هل فجَّر لهم ينبوعًا من الأرض؟الطالب: لا لا.الشيخ: كل الآيات.***
الطالب: وقوله: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًاإلى آخرها [الأنعام: ١١١].وأيضًا إذا تدَّبرت الاقتراحات التي عيَّنوها لم تجدها في الحقيقة من جنس البراهين، وإنما هي لو فُرِض الإتيان تكون شبيهة بآيات الاضطرار التي لا ينفع الإيمان معها، ويصير شهادة، وإنما الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب، فكما أن ..الشيخ: (...) جدًّا؛ لأنه لو جاءت الآيات التي اقترحوها صار إيمانهم ليس إيمانًا بغيب، بل هو إيمان؟ بالمشاهدة والواقع، وحينئذ لا ينفعهم، ولهذا الغالب أنه إذا أخذت الرسل بالآيات المقترَحة ولم يؤمن المقترِحون، الغالب أنهم يُهْلَكُون؛ لأن العذاب يكون مقارِنًا لها، قال الله تعالى: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء: ٥٩].فالحاصل أن الآيات المقترحة إذا جاءت موافقة (...) ما اقترحوه صار هذا الإيمان بالرسل ما هو إيمان بالغيب، إيمان بماذا؟ بالمشاهدة؛ لأن هذا مثل الأمارة التي يجعلها الإنسان لشخص، مثل أن أقول: إذا وجدت السيارة عند الباب فأنا في البيت، فإذا جاء وجد السيارة عند الباب عَلِم بأنه في البيت، هذا إيمان مشاهدة ولَّا غيب؟طلبة: مشاهدة.الشيخ: مشاهدة.***
الطالب: فكما أنه المنفرد بالحُكم بين العباد في أديانهم وحقوقهم، وأنه لا حكم إلا حكمه، وأن من قال: ينبغي أو يجب أن يكون الحُكم كذا وكذا، فهو متجرِّئ على الله، مُتَوَثِّب على حُرمات الله وأحكامه، فكذلك براهينُ أحكامِه لا يتولَّاها إلا هو، فمن اقترح شيئًا من عنده فقد ادَّعى مشاركة الله في حكمه ومنازعته في الطرق التي يهدي ويرشد بها عباده، ومن أظلم ممن قال: سأُنْزِل مثل ما أنزل الله. الشيخ: هذا أيضًا مهم جدًّا، (...) الإنسان إذا اقترح سبيلًا غير سبيل الله، أو حكمًا غير حُكم الله، أو ما أشبه ذلك، فإنه منازِع لله تعالى في حُكمه، وفي طريق هدايته لخلقه، لو قال مثلًا: ينبغي أن يوزَّع الصوم على كل شهر ثلاثة أيام، ويكون ستة وثلاثين يومًا بعد أن كان ثلاثين يومًا، لو كان هكذا لكان أيسر على الناس وأسهل وأقصر. نقول: إذا قلت ذلك فقد نازعتَ الله تعالى في شرعه، وظلمت نفسك، فإن الله تعالى أحكم وأعلم بما يُصلِح عباده، كذلك الذي يقترح آية على الرسل: ائتوا بكذا وكذا، نقول (...)، إن هذه الآيات التي أتيتم بها لا تكفي في إقامة البرهان على أنكم رسل، فكان ينبغي أن تأتوا بالآية الفلانية التي اقترحناها، وهذا فيه جرأة على الله سبحانه وتعالى معلومة.والحاصل أننا يجب علينا أن نؤمن بالآيات التي جاءت بها الرسل، سواء كانت موافِقة لما اقتُرِح عليهم، أم جاءت ابتداءً لم تُقْتَرَح.ونقول: إن الآية حقيقة هي التي جاءت ابتداءً، أما ما جاءت جوابًا لاقتراح فهي في الحقيقة -كما قال الشيخ- كالإيمان بالشهادة، وليست كالإيمان بالغيب، والله الموفِّق.***
القاعدة الحادية والخمسون
كلَّما ورد في القرآن الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غير الله، والثناء على الداعين، تناول دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
وهذه قاعدة نافعة؛ فإن أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء والدعوة دعاءُ المسألة فقط، ولا يظنون دخول جميع العبادات في الدعاء. ويدل على عموم ذلك قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]، أي: أَسْتَجِبْ طلبكم، وأتقبل عملكم. ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ..الشيخ: أفاد المؤلف -رحمه الله- في هذه القاعدة: أن الدعاء سواء كان أمرًا أو نهيًا أو ثناء يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فقولك: اللهم اغفر لى؛ دعاء مسألة، وصلاتك ليغفر الله لك دعاء عبادة. وكما قال الشيخ رحمه الله: أكثر الناس يظنون أن الدعاء إنما هو دعاء المسألة، والأمر ليس كذلك، بل هو شامل لدعاء المسألة، ودعاء العبادة؛ لأن العابد حقيقةُ أمرِه وحاله أنه يدعو الله، لكن بلسان؟ بلسان الحال؛ لأنك لو سألت أيَّ إنسان يصلي أو يصوم أو يزكِّي أو يحج: ماذا تريد؟ لقال: أريد مغفرة الله، إذن هو قد سأل الله بحاله، وهذا وجه كون العبادة دعاءً.***
الطالب: ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠]، فسمَّى ذلك عبادة، وذلك لأن الداعي دعاءَ المسألة يطلب مسؤولَه بلسان المقال، والعابد يطلب من ربه القبول والثواب ومغفرة ذنوبه بلسان الحال، فلو سألته: ما قصدت بصلاتك، وعبادتك، وحجِّك، وقيامك بحق الله وحق الخَلق؟ لكان قلب المؤمن ناطقًا بأن قصدي من ذلك رضا ربي، ونيل ثوابه، والسلامة من عقابه؛ ولهذا كانت هذه النية شرطًا لصحة الأعمال وكمالها.وقال تعالى: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين [غافر: ١٤]، أي: أَخْلِصُوا له إذا طلبتم حوائجكم، وأَخْلِصُوا له أعمال البِرِّ والطاعة.وقد يقيَّدُ أحيانًا بدعاء الطلب، كقوله تعالى: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر: ١٠]، وأما قوله: وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا [يونس: ١٢] فيدخل فيه دعاء الطلب؛ فإنه لا يزال مُلِحًّا بلسانه، سائلًا دفع ضرورته، ويدخل فيه دعاء العبادة، فإن قلبه في هذه الحال يكون راجيًا طامعًا منقطعًا عن غير الله، عالمًا أنه لا يكشف السوء إلا الله، وهذا دعاء عبادة.وقال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥]، يدخل فيه الأمران، فكما أن من كمال دعاء الطلب كثرة التضرع والإلحاح، وإظهار الفقر والمسكنة، وإخفاؤه ذلك وإخلاصه، فكذلك دعاء العبادة؛ لا تتم العبادة وتكمُل إلا بالمداومة عليها، ومقارنة الخشوع والخضوع، وإخفاؤها وإخلاصها لله.وكذلك قوله عن خلاصة الرسل: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء: ٩٠]، فإنَّ الرغبة والرهبة وَصْفٌ لهم إذا طلبوا وسألوا، وَوَصْفُ لهم إذا تعبَّدوا وتقرَّبوا بأعمال الخير والقُرَب.وقال تعالى: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الشعراء: ٢١٣]. وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ [المؤمنون: ١١٧]. فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: الآية ١٨]، يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، فكما أن من طلب من غير الله حاجة لا يقدر عليها إلا الله فهو مشرك كافر، فكذلك مَن عَبَدَ مع الله غيره فهو مشرِك كافر. ومثله وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ.. الشيخ: مَنْ طلب مِنْ غير الله حاجة يقدر عليها المخلوق فإن ذلك ليس بالشرك، لو قلت للرجل: أَعِنِّي على حمل متاعي على سيارتي، لم يكن هذا شركًا، لكن لو قلت لرجل: ارزقني ولدًا ذكرًا، صار ذلك شركًا، ووجهه واضح؛ لأنه سأل ما لا يقدر عليه إلا الله من غير الله، فهو مثل مَن عَبَدَ غير الله؛ لأن العبادة لا تصلح إلا لله، والدعاء بما لا يقدر عليه إلا الله لا يصلح إلا لله عز وجل، وأظن إن المسألة واضحة الآن.إذن مَنْ طلب من مخلوقٍ ما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر، كما أن مَنْ عَبَدَ غير الله فهو مشرك كافر، ومن طلب من مخلوق ما يقدر عليه فهو غير مشرك، ولكنه من باب الجائز، وليس من باب الكمال، فالكمال أن لا تسأل مخلوقًا شيئًا، وكان من جملة ما بايع عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابَه أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان الرجل يسقط عصاه من بعيره فينزل هو بنفسه ويأخذ العصا ويركب .***
الطالب: ومثله: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦]، كل هذا يدخل فيه الأمران.وقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]، يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة؛ أما دعاء المسألة فإنه يسأل الله تعالى في كل مطلوب باسمٍ يناسب ذلك المطلوب ويقتضيه، فمن سأل رحمة الله ومغفرته دعا باسم الرحيم الغفور، وحصول الرزق باسم الرزاق، وهكذا. وأما دعاء العبادة..الشيخ: إذن ادْعُوهُ بِهَا، أي: اجعلوها وسيلة لحصول مطلوبكم، ووسيلة الشيء تناسبه، فعندما تسألون المغفرة تأتي باسم الغفور، وتقول: يا غفور، أو تقول: اللهم اغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم.وعندما تأتي تسأل الرزق تقول: اللهم يا رزاق ارزقني، أو تقول: اللهم ارزقني؛ فإنك الرزَّاق ذو القوة المتين، وهكذا.ولا ينبغي أن تقول: اللهم يا شديد العقاب اغفر لي؛ لأن هذا غير مناسب، كيف تسأل المغفرة باسم يقتضي العقوبة؟ هذا يتنافى مع الأدب.***
الطالب: وهكذا، وأما دعاء العبادة فهو التعبُّد لله تعالى بأسمائه الحسنى، فيَفْهَم أولًا معنى ذلك الاسم الكريم، ثم يُدِيم استحضاره بقلبه، ويمتلئ قلبه منه. فالأسماء الدالةُ على العظمة والجلال والكبرياء تملأ القلب تعظيمًا وإجلالًا لله تعالى.والأسماء الدالةُ على الرحمة والفضل والإحسان تملأ القلب طمعًا في فضل الله، ورجاءً لرَوْحِه ورحمته.والأسماء الدالةُ على الوداد والحب والكمال تملأ القلب محبة وودًّا وتألُّهًا وإنابة لله تعالى.والأسماء الدالة على سعة علمه ولطيف خبره تُوجب للعبد مراقبة الله تعالى والحياء منه.وهذه الأحوال التي تتصف بها القلوب هي أكمل الأحوال، وأجَلُّ وصف يتَّصف به القلب وينصبغ به، ولا يزال العبد يُمَرِّن نفسه عليها حتى تنجذب دواعيه منقادةً راغبة، وبهذه الأعمال القلبية تكمل الأعمال البدنية.فنسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا من معرفته ومحبته والإنابة إليه، فإنه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين.الشيخ: خلاصة القاعدة مفهومها الآن أن الدعاء الموجود في القرآن يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة ما لم يقيَّد في دعاء المسألة فيكون للمسألة، مثل قوله تعالى: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ [القمر: ١٠، ١١]، هذا واضح أن المراد به دعاء المسألة، وإلا فالأصل أنه يشمل هذا وهذا.وقد بيَّن المؤلف رحمه الله كيفية دعاء الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى، وأنه يدعوه بها في دعاء المسألة وفي دعاء العبادة.طالب: (...).الشيخ: الرحمة.الطالب: (...).الشيخ: رحمة عطف تفسير، مثل قول الشاعر:| ...................... | فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا |
***
القاعدة الثانية والخمسون
إذا وضح الحق وبان لم يَبْقَ للمعارضة العلمية والعملية محل.
وهذه قاعدة شرعية عقلية فطرية، قد وردت في القرآن وأرشد إليها في مواضع كثيرة. وذلك: أنه من المعلوم أن محل المعارضات، وموضع الاستشكالات، وموضع التوقُّفَات، ووقت المشاورات، إذا كان الشيء فيه اشتباه أو احتمالات، فتَرِدُ عليه هذه الأمور؛ لأنها الطريق إلى البيان والتوضيح، فأما إذا كان الشيء لا يحتمل إلا معنًى واضحًا وقد تعينت المصلحة، فالمجادلة والمعارضة من باب العبث، والمعارِضُ هنا لا يُلْتَفت لاعتراضاته؛ لأنه يشبه المكابِر المنكِر للمحسوسات. قال تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦]، يعني: وإذا تَبَيَّن هذا من هذا لم يَبْقَ للإكراه محل؛ لأن الإكراه إنما يكون على أمرٍ فيه مصلحة خفية، فأما أمر قد اتضح أن مصالح الدارين مربوطة به ومتعلِّقة به، فأي داعٍ للإكراه، وأي موجِب له؟ ونظير هذا قوله تعالى.. الشيخ: إذن فقوله: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِخبرٌ على بابه، وليس نهيًا، ليس المعنى: لا تُكْرِهوا على الدين، بل المعنى: أنه لا محل للإكراه في الدين، لماذا؟ لأنه قد تبيَّن الرشد من الغي، وإذا تبيَّن فإن الإنسان لا يُكْرَه؛ لأن كل عاقل تبيَّن له الرشد من الغي فإنه سيتبع الرشد، فلا يُكره عليه، هذا هو المعنى الذي يتبادر من الآية الكريمة كما شرحه الشيخ رحمه الله.وإن كان بعض العلماء يقول: إن قوله: لا إِكْرَاهَأي: لا تُكْرِهُوا أحدًا على الدين؛ لأنه لا يُكْرَه أحد على دين الله، فإما أن يدين لله عَزَّ وَجَلَّ، وإما أن يدين للطاغوت ويؤدي الجزية، لكن الآية كغيرها من الآيات، لا يُحْمَل الخبر على النهي إلا بأيش؟ بدليل، وإلا فإن الأصل أن يبقى الكلام على ظاهره؛ النفي للنفي، والنهي للنهي، فإذا كان الأمر واضحًا فلا ينبغي أن يُحَرَّف الكلام عن ظاهره.طالب: يا شيخ، معنيان متلازمان، هي خبر أو نهي؟الشيخ: لا، ما هي متلازمة.الطالب: (...).الشيخ: إذا قلنا بأنها للنهي صار معناها أننا لا نُكْرِه أحدًا على الدين، مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩]. الطالب: وإذا كانت خبرًا يا شيخ؟الشيخ: أما إذا كانت خبرًا فإنه مسكوت عن الإكراه على الدين، ويُعْرَف من أدلة أخرى.الطالب: (...).الشيخ: إي نعم؛ لأنه قد تَبَيَّن الرشد من الغي.طالب: (...).الشيخ: أنا رأيي إن ما نسأل يا جماعة حتى تنتهي القاعدة، أحسن.***
الطالب: ونظير هذا قوله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩]، أي: هذا الحق الذي قامت البراهين الواضحة على حقيقته، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، كقوله: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال: ٤٢]، وقال تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، أي: في الأمور التي تحتاج إلى مشاورة، ويُطلَب فيها وجه المصلحة، فأما أمر قد تعيَّنَت مصلحته، وظهر وجوبه، فقال فيه: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران: ١٥٩].وقد كشف الله هذا المعنى غاية الكشف في قوله: يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ [الأنفال: ٦]، أي: في كل مَن جادَل في الحق بعدما تبيَّن علمه، أو طريق عمله، فإنه غالِطٌ شرعًا وعقلًا. وقال تعالى: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ [الأنعام: ١١٩]، فلامَهُم على عدم التزام الأكل مما ذُكِرَ اسم الله عليه، وذكر السبب لهذا اللوم، وهو أنه تعالى فصَّل لعباده كل ما حرَّم عليهم. فما لم يذكر تحريمه فإنه حلالٌ واضحٌ، ليس للتوقف عنه محل، ولما ذكر تعالى الآيات الدالة..الشيخ: وفي قوله: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْدليل على أن ما سُكِت عنه ليس حرامًا، ودليل على أن المحرَّمات مفصَّلات مبيَّنات، فإذا كان مبيَّنًا ولم يذكر منه ما ذُكِر اسم الله عليه، فإن ما ذُكر اسم الله عليه يكون حلالًا.وعلى هذا فنقول: الأصل فيما سُكِت عنه الحِل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ».***
الطالب: ولمَّا ذَكَرَ تعالى الآيات الدالة على وجوب الإيمان وَبَّخَ وَلَامَ المتوقِّفِين عنه بعد البيان، فقال: فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢٠ - ٢١].ولَمَّا بَيَّنَ جلالة القرآن، وأنه أعلى الكلام، وأصدقه وأنفعه، قال تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية: ٦]. ولما ذكر عِظَم نعمه الظاهرة والباطنة قال تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى [النجم: ٥٥]، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٣]، وقال تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس: ٣٢]. وكذلك في آيات كثيرة يأمر بمجادلة المكذِّبين، ويجادلهم بالتي هي أحسن، حتى إذا وصل معهم إلى حالة وضوح الحق التام، وإزالة الشُّبَهِ كلها، انتقل من مجادلتهم إلى الوعيد لهم بعقوبات الدنيا والآخرة، والآيات في هذا المعنى الجليل كثيرة جدًّا. الشيخ: القاعدة هذه تدور إلى أنه متى اتضح الشيء، سواء كان حكمًا عمليًّا، أو كان خبرًا علميًّا، فإنه لا وجه للمجادَلة فيه؛ لأنه واضح، وإنما يُجادَل ويُثْتَثْبَت ويُسأل عن الأمر أيش؟ المشكِل الذي يحتاج إلى بيان، فأما ما كان بَيِّنًا واضحًا فإنه لا تجوز المجادلة فيه، ويُنْكَر على من جادل ويُذَمّ، كما في الآيات التي ساقها المؤلف رحمه الله.وعليه فكل مَن جادل في دين الله فقد جادل بغير حق؛ لأن الدين واضح بيِّن، قد بَيَّن الله تعالى الرشد من الغي، وفرَّق بين الحق والباطل، وفرَّق سبحانه وتعالى بين أولياء الله وأعداء الله، فلا يمكن بعد هذا أن يقع جدال أو إشكال.***
القاعدة الثالثة والخمسون
من قواعد القرآن أنه يُبَيِّن أن الأجر والثواب على قدر المشقة في طريق العبادة، ويُبَيِّن مع ذلك أن تسهيله لطريق العبادة من مِنَّتِهِ وإحسانه، وأنها لا تنقص الأجر شيئًا
وهذه القاعدة تُبَيِّن من لطف الله وإحسانه بالعباد وحكمته الواسعة ما هو أَثَرٌ عظيم من آثار تعريفاته، ونفحة عظيمة من نفحاته، وأنه أرحم الراحمين، قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١٦]. فبيَّن تعالى أن هذه العبادة العظيمة لعِظَم مصلحتها، وكثرة فوائدها العامة والخاصة، أنه فرضها على العباد، وإن شقت عليهم وكرهتها نفوسهم؛ لِمَا فيها من التعرض للأخطار، وتلف النفوس والأموال، لكن هذه المشقات بالنسبة إلى ما تُفْضِي إليه من الكرامات ليست بشيء، بل هي خير محض، وإحسان صِرْف من الله على عباده، حيث قيَّد لهم هذه العبادات التي توصلهم إلى منازل لولاها لم يكونوا واصليها. وقال تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ [النساء: ١٠٤]، وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ، إلى قوله: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: ١٥٥، ١٥٦] الآية، وقال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠]. فكلَّما عظُمت مشقة الصبر في فعل الطاعات، وفي تَرْك المحرمات؛ لقوة الداعي إليها، وفي الصبر على المصيبات، كان الأجر أعظم، والثواب أكثر، وقال تعالى في بيان لطفه في تسهيل العبادة الشاقة: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [الأنفال: ١١، ١٢]. فذكر مِنَّته على المؤمنين بتيسيره وتقديره لهذه الأمور التي جعلها الله تعالى مُسَهِّلَة للعبادة، مُزِيلَة لمشقتها، مُحَصِّلَة لثمراتها. وقال تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. فالبشرى التي وعد الله بها أولياءه في الحياة الدنيا من أشرفها وأجَلِّها أنه يَسَّر لهم العبادات، وهَوَّن عليهم مشقة القُرُبات، وأنه يُيَسِّرُهم للخير، ويعصمهم من الشر بأيسر عمل. وقال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: ٥ - ٧]، أي: لكل حالة فيها تيسير أموره وتسهيلها. وقال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧]، ومن الحياة الطيبة التي يُرْزَقُونَها ذوق حلاوة الطاعات، واستحلاء المشقات في رضا الله، فهذه الأحوال كلها خير للمؤمن؛ إن سهَّل الله له طريق العبادة وهوَّنها حمد الله وشكره، وإن شَقَّت على النفوس صَبَر واحتسب الخير في عنائه ومشقته، ورجا عظيم الثواب، وهذا المعنى في القرآن في آيات متعدِّدة، والله أعلم.الشيخ: خلاصة هذه القاعدة أن الأجر على قدر المشقة، وقد دل عليها قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: «إِنَّ أَجْرَكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» ، أي: مشقتك.وفيها أيضًا: بيان المنة على العباد بتسهيل الطاعات، وأن تسهيل الطاعات من آثار رحمته.وعجبًا لبعض الناس أن يسلكوا لأنفسهم مسلك الصعوبة والتعسير في أمور العبادة، وهذا تَبَرَّأَ منه النبي عليه الصلاة والسلام، فإن قومًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمعوا واتفقوا على أن بعضهم يصوم ولا يُفطر، والآخر يقوم ولا ينام، والثالث لا يتزوج النساء، والرابع لا يأكل اللحم، فخطب النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبرهم بأنه صلى الله عليه وسلم يصوم ويُفطر، ويقوم وينام، ويتزوج النساء، وأن مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِه فليس منه .فالذين يسلكون طُرُق التعسير مع وجود التسهيل أخطؤوا على أنفسهم، لو أن رجلًا قال: أنا لا أريد أن أركب سيارة فيها مُكَيِّف، أبغي أركب سيارة مبوَّشة، ولا فيها مُكَيِّف ولا مظلَّة، وأذهب إلى الحج عليها، مرة تشرب مائي، ومرة أشرب الماء أنا، أيها أحسن؟ طلبة: الأول. الشيخ: قطعًا الأولى أحسن، وهي من نعمة الله على الإنسان، أما أن يذهب ويُتعب نفسه فهذا خطأ، نعم إذا كانت العبادة لا يمكن أن تأتي بها إلا بمشقة هذا شيء آخر، هذا من الله ما هو بإرادتك، أما شيء يكون أمامك طريقان؛ سهل وصعب، فتذهب إلى الصعب، فهذا ليس من شريعة الله.ويقول العامة -أول ما ظهرت السيارات-: إن الحج على الإبل أجره كامل، وعلى السيارات نصف الأجر، وعلى الطيارات ثُمُن الأجر أو رُبُع، يمكن ييجي شيء أسرع من الطيارات يكون الثمن، هل هذا صحيح؟طالب: لا.الشيخ: هذا غير صحيح، بل نقول: إن هذا من نعمة الله على العبد. صحيحٌ أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن كثرة الْإِرْفَاه ، يعني لا ينبغي للإنسان أن ينغمس في الترَفُّه حتى ينسى الخشونة، فكان ينهى عن كثرة الإرفاه، وَيَأْمُر بْالِاحْتِفَاءِ أحيانًا ، ما هو دائمًا، يعني ينبغي لنا أن أحيانًا نمشي حُفَاةً، حتى لو أن الناس شَهَّرُوا بنا، تمشوا، ويش لون هذا الواحد، يمشي بدون نعال؟ لا يوجِب على الناس ينتقد هذا الشيء، فنحن لا..الشيخ: الإنسان يأتي بشعائر الإسلام كلها، فيكون أمرًا بإتمام ما نقص منه، وإكمال ما كان موجودًا منه.
***
طالب:***
الطالب:***
القاعدة السابعة والأربعون
إذا كان سياق الآيات في أمور خاصة، وأراد الله أن يحكم عليها، وذلك
الحكم لا يختص بها، بل يشملها ويشمل غيرها، جاء الله بالحُكم العام.
***
القاعدة الثامنة والأربعون
متى عَلَّق الله عِلْمَه بالأمور بعد وجودها كان المراد بذلك العلم
الذي يترتب عليه الجزاء.
***
القاعدة التاسعة والأربعون
إذا منع الله عباده المؤمنين شيئًا تتعلق به إرادتهم فتح لهم بابًا
أنفع لهم منه، وأسهل وأولى.
***
القاعدة الخمسون
آيات الرسول هي التي يُبْدِيها الباري ويَبْتَدِيها، وأما ما أبداه
المكذِّبون له واقترحوه فليست آيات، وإنما هي تَعَنُّتَات وتعجيزات.
***
الطالب:***
الطالب:***
القاعدة الحادية والخمسون
كلَّما ورد في القرآن الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غير الله،
والثناء على الداعين، تناول دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
***
الطالب:***
الطالب:***
الطالب:| ...................... | فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا |
***
القاعدة الثانية والخمسون
إذا وضح الحق وبان لم يَبْقَ للمعارضة العلمية والعملية
محل.
***
الطالب:***
الطالب:***
القاعدة الثالثة والخمسون
من قواعد القرآن أنه يُبَيِّن أن الأجر والثواب على قدر المشقة في
طريق العبادة، ويُبَيِّن مع ذلك أن تسهيله لطريق العبادة من مِنَّتِهِ وإحسانه،
وأنها لا تنقص الأجر شيئًا